الآلوسي

305

روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )

ولولا رجال من رزام أعزة * وآل سبيع أو أسوءك علقما أي لو أن لي بكم قوة أو أويا ، روي أنه عليه السلام أغلق بابه دون أضيافه وأخذ يجادل قومه عنهم من وراء الباب فتسوروا الجدار فلما رأت الملائكة عليهم السلام ما على لوط من الكرب . قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بضرر ولا مكروه فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريل عليه السلام رب العزة في عقوبتهم فأذن له فلما دنوا طمس أعينهم فانطلقوا عميا يركب بعضهم بعضا وهم يقولون : النجاء النجاء فإن في بيت لوط قوما سحرة ، وفي رواية أنه عليه السلام أغلق الباب على ضيفه فجاءوا فكسروا الباب فطمس جبريل أعينهم فقالوا : يا لوط جئتنا بسحرة وتوعدوه فأوجس في نفسه خيفة قال : يذهب هؤلاء ويذروني فعندها قال جبريل عليه السلام : « لا تخف إنا رسل ربك » فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بالقطع من الإسراء ، وقرأ ابن كثير ونافع بالوصل حيث جاء في القرآن من السرى ، وقد جاء سرى وهما بمعنى واحد عند أبي عبيدة والأزهري ، وعن الليث أسرى سار أول الليل وسرى سار آخره ولا يقال في النهار : إلا سار وليس هو مقلوب سرى ، والفاء لترتيب الأمر بالإسراء على الإخبار برسالتهم المؤذنة بورود الأمر والنهي من جنابه عزّ وجل إليه عليه السلام ، والباء للتعدية أو للملابسة أي سر ملابسا بأهلك بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ قال ابن عباس : بطائفة منه ، وقال قتادة : بعد مضي صدر منه ، وقيل : نصفه ، وفي رواية أخرى عن الحبر آخره وأنشد قول مالك بن كنانة : ونائحة تقوم بقطع ليل * على رحل أهانته شعوب وليس من باب الاستدلال ، وإلى هذا ذهب محمد بن زياد لقوله سبحانه : نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ [ القمر : 34 ] وتعقبه ابن عطية بأنه يحتمل أنه أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوزوا البلد المقتلع ، ووقعت نجاتهم بسحر ، وأصل القطع القطعة من الشيء لكن قال ابن الأنباري : إن ذلك يختص بالليل فلا يقال : عندي قطع من الثوب . وفسر بعضهم القطع من الليل بطائفة من ظلمته ، وعن الحبر أيضا تفسيره بنفس السواد ، ولعله من باب المساهلة وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أي لا يتخلف كما روي عن ابن عباس ، أو لا ينظر إلى ورائه كما روي عن قتادة ، قيل : وهذا هو المعنى المشهور الحقيق للالتفات ، وأما الأول فلأنه يقال : لفته عن الأمر إذا صرفته عنه فالتفت أي انصرف ، والتخلف انصراف عن المسير ، قال تعالى : أَ جِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمَّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا [ يونس : 78 ] أي تصرفنا كذا قال الراغب . وفي الأساس أنه معنى مجازي ، والنهي في اللفظ لأحد ، وفي المعنى للوط عليه السلام على ما نقل عن المبرد ، وهذا كما تقول لخادمك : لا يقم أحد في أن النهي في الظاهر لأحد ، وهو في الحقيقة للخادم أن لا يدع أحدا يقوم ، فالمعنى هنا فأسر بأهلك ولا تدع أحدا منهم يلتفت ؛ ولا يخفى أنه على هذا تتم المناسبة بين المعطوف عليه والمعطوف لأن الأول لأمره عليه السلام والثاني لنهيه ، ويعلم من هذا أن ضمير « منكم » للأهل . وقد صرح بذلك شهاب فلك الفضل الخفاجي ، فقال : وهاهنا لطيفة وهو أن المتأخرين من أهل البديع اخترعوا نوعا من البديع سموه تسمية النوع ، وهو أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية كقوله في البديعية في الاستخدام : واستخدموا العين مني فهي جارية * وكم سمحت بها في يوم بينهم وتبجحوا باختراعه ، وأنا بمنّ اللّه تعالى أقول : إنه وقع في القرآن في هذه الآية لأن قوله سبحانه : فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ إلخ وقع فيه ضمير مِنْكُمْ للأهل فقوله جل وعلا : لا يَلْتَفِتْ من تسمية النوع وهذا من بديع النكات انتهى ،